الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
52
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
للحقيقة وصحة السّلب أمارة للمجاز ثالثها أن استعمال الكلي في الفرد ليس مجازا مطلقا وإنما يكون مجازا إذا استعمل فيه بخصوصه ومع إرادة الخصوصية من اللفظ فلا ريب في صحة سلب معناه الحقيقي عنه بهذا الاعتبار وإن لم يصح سلبه عنه بالاعتبار الأول فما ذكره في وجه عدم جريان ما ذكره في عدم صحة السّلب ليس بمتجه قلت يظهر مما ذكر في الإيراد حمل كلام المجيب على أنه إذا لم يعلم المستعمل فيه أصلا وأريد المعرفة به فبصحة سلب المعنى الحقيقي عن المراد من جهة القرينة الدالة على إرادة غيره يعلم إرادة المجاز ولذا ذكر في الإيراد عليه أن ذلك ليس من العلامة في شيء والذي يظهر بالتأمل في كلامه أن ذلك ليس من مقصود المجيب في شيء كيف وفساد الكلام المذكور يشبه أن يكون ضروريّا ولا داعي لحمل كلامه عليه مع ظهوره في خلافه بل الظاهر أن مراد المجيب أنه إذا أطلق اللفظ على مصداق كما إذا استعمل الحمار في البليد وشككنا في كونه مصداقا لمعناه الحقيقي أو المجازي مع العلم بكل منهما فلم يعلم المستعمل فيه في المقام من جهة الشّك المذكور فإنّه إن كان فردا للحيوان الناهق كان اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي إن أطلق على فرد منه لا من حيث الخصوصية وإن لم يكن فردا منه فهو من مصاديق معناه المجازي أعني الحيوان القليل الإدراك ويكون اللفظ إذن مستعملا فيه فيعترف إذن بصحته سلب معناه الحقيقي عنه أنه من أفراد المعنى المجازي وأن اللفظ مستعمل في معناه المجازي وقوله فإنا نعلم بصحة سلب المعنى الحقيقي عن المورد إلى آخره كالصريح فيه فإنه إذا لم يطلق اللفظ على مصداق معين فمن أين يتحقق هناك معلوم للاستعمال ثم إنه مع الجهل بالمراد مطلقا كيف يتعقل سلب المعنى الحقيقي من المجهول المطلق ويعرف بذلك كون المستعمل فيه مجازا والحاصل أن ما ذكرنا في كمال الظهور من الكلام المذكور ثم ما ذكره ثانيا من عدم جريان ذلك في عدم صحّة السلب معللا بما ذكره في غاية الظهور أيضا فيما قلناه فظهر بما ذكرنا اندفاع الإيرادات المذكورة عنه أما الأول فبأنهم إنّما اعتبروا صحة السلب وعدمها بالنسبة إلى المعنى الحقيقي لتعينه وتميزه وأما المعنى المجازي فلما لم يكن متعيّنا مضبوطا بل كان دائرا مدار حصول العلاقة لم تفد صحة سلب ما يصرفه المعنى المجازي كونه مصداقا لمعناه الحقيقي لاحتمال كونه مندرجا في مجازي آخر غيرها ولا عدم صحة سلبه عنه كونه فردا من المعاني المجازي لإمكان أن يكون معناه المجازي أعم من الحقيقي فلا يصح سلب شيء منهما عنه وأما الثالث فلأن الوجه المذكور إنما يتميز مصداق معناه المجازي أعم عن الحقيقي من دون إفادة لمعرفة نفس الموضوع له وغيره فيستفاد من ذلك كون المستعمل فيه مجازا إذا علم اندراج ذلك المصداق في معناه المجازي ويعرف به كون اللفظ مجازا في الاستعمال المفروض وأما إذا علم بعدم صحة سلب عنه اندراجه في معناه الحقيقي لم يفد ذلك كون اللفظ هناك حقيقة أو مجازا لاحتمال استعمال اللفظ فيه بخصوصه فيكون الاستعمال مجازا مع عدم صحة سلبه عنه فما ذكر في الإيراد عليه من أنه مع استعماله في الفرد بخصوصه يصحّ سلب ذلك المعنى عنه غير متجه لوضوح عدم صحة سلب الكلي عن الفرد بالحمل الشّائع وإن لوحظ الفرد بخصوصه فمرجع هذا الجواب إلى الجواب الثاني الذي حكيناه عن بعض الأفاضل إلا أنّه جعل صحة السّلب أمارة لكون اللفظ مجازا في استعماله المفروض فلم يصح له جعل عدم صحة السّلب أمارة لكونه حقيقة كذلك وحينئذ فيرد عليه ما أوردنا عليه وأنه لا حاجة إذن إلى جعله علامة لحال اللفظ بالنسبة إلى ما استعمل فيه حتى لا يجري في عدم صحة السّلب بل ينبغي جعله أمارة لتميز المصداق الحقيقي عن المجازي ليجري في المقامين حسبما على أنه قد يجعل أمارة بالنسبة إلى الأوّل أيضا بعد ملاحظة ما هو الغالب من عدم ملاحظة الخصوص في إطلاق الكليات على أفرادها فتأمل ومنها أن المراد بصحة السّلب يستعمل فيه اللفظ المجرّد عن القرينة في العرف فإنه يصح عرفا أن يقال للبليد إنّه ليس بحمار ولا يصح أن يقال إنّه ليس بإنسان فعلم بالأول كون الحمار مجازا فيه وبالثاني صدق الإنسان عليه على سبيل الحقيقة وهذا الجواب يرجع إلى أحد الجوابين المذكورين في الجواب عن الدور الوارد في المتبادر إذ قد عرفت مما مرّ جريان ذلك بالنسبة إلى ملاحظة صحة السّلب وعدمها مع الإطلاق في كلامهم العارفين باللّسان غير المتكلم وكذا بالنسبة إلى نفسه لو كان من أهل اللسان كما هو الغالب نظرا إلى الفرق بين العلم بالشّيء والعلم بالعلم به وحينئذ فالمتوقف على إعمال العلامة هو الثاني فالمتوقف عليه هو الأول حسبما عرفت هذا وقد أورد عليه بعض الأفاضل رحمه الله بأن ذلك مجرد تغيير عبارة لا يدفع السّؤال فإن معرفة ما يفهم من اللفظ عرفا مجرّدا عن القرائن هو بعينه معرفة الحقائق سواء اتحد المفهوم العرفي ففهم معينا أو تعدد من جهة الاشتراك ففهم الكل إجمالا وبدون التعيين وذلك يتوقف على معرفة كون المستعمل فيه ليس هو عين ما يفهم عرفا على التعيين أو من جملة ما يفهم عرفا على الإجمال فيبقى الدور بحاله وأنت بعد ملاحظة ما قرّرناه تعرف ما فيه كيف والحاكم بصحة السّلب وعدمها بناء على الأول هو العرف وإنما يتوقف حكمهم بذلك على معرفتهم بمعنى اللفظ إلا على علم الملاحظة للأمارة المذكورة والحاصل بملاحظة الأمارة المذكورة علم الملاحظة بالحال بعد الرجوع إليهم فمن أين يتوهم الدّور وأما على الثاني فلا اتحاد أيضا في طرفي الدّور كما عرفت وأما الجواب عن الثالث فبما عرفت من اختلاف الحال في العلامة المذكورة فإن كان المراد معرفة حال المفهوم من حيث ثبوت الوضع له وعدمه فلا ريب في صحة السّلب في المقامات المفروضة ضرورة أن مفهوم الكل غير مفهوم الجزء أو اللاّزم وإن أريد به معرفة حال المصداق من حيث اندراجه حقيقة في المفهوم المفروض وعدمه فلا ريب إذن في إفادة عدم صحة السّلب الحاصل في المقام اندراجه فيه على سبيل الحقيقة وكونه من أفراد الحقيقة فلو أطلق ذلك اللفظ عليه لا من جهة اعتبار الخصوصية كان الاستعمال حقيقة وكذلك في الواقع فلا نقض من جهة المذكورة أصلا وقد يجاب عنه بأن المعتبر من الحمل في صحة السّلب وعدمها هو الحمل الذاتي والحمل الصادق في الموارد المذكورة إنما هو الحمل الشائع خاصة وفيه ما عرفت مما قررناه ثاني عشرها الاطراد وعدمه فالأول علامة الحقيقة والثاني أمارة المجاز والمراد به اطراد استعمال اللفظ في المعنى المفروض بحسب المقامات بحيث لا يختص جوازه بمقام دون آخر وصورة دون أخرى ويصح إطلاقه على مصاديق ذلك المعنى إذا كان كليا من غير اختصاص له ببعضها واختلفوا في كون الاطراد على الوجه المفروض دليلا على كون اللفظ حقيقة في